ابراهيم بن عمر البقاعي
464
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه ، وذلك أمر لا يغفر ، قال : فِي جَنْبِ وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل بقوله : اللَّهِ أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون به . ولما كان المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف ، رجاء القبول والانصراف ، قال مؤكدا مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه حاله ، ويصرح به مقاله ، من أنه على الحق واجد الجد : وَإِنْ أي والحال أني كُنْتُ أي كان ذلك في طبعي لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أي المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها ، وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة ، أي تقول : هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة المترققين في وقت الشدائد ، لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد . ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا تدع وجها محتملا حتى تتعلق بأذياله ، وتمت بحباله وتفتر بمحاله ، قال حاكيا كذبها حيث لا يغني إلا الصدق : أَوْ تَقُولَ أي عند نزول ما لا قبل لها به لَوْ أَنَّ وأظهر ولم يضمر إظهارا للتعظيم وتلذذا بذكر الاسم الشريف فقال : اللَّهَ أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل هَدانِي أي ببيان الطريق لَكُنْتُ أي ملازما ملازمة المطبوع على كوني مِنَ الْمُتَّقِينَ * أي الذي لا يقدمون على فعل ما لم يدلهم عليه دليل . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 58 إلى 62 ] أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) ولما ذكر حالها في الاعتراف بالبطلان ، ثم الفزع إلى الزور والبهتان ، أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران ، فقال : أَوْ تَقُولَ أي تلك النفس المفرطة حِينَ تَرَى الْعَذابَ أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة : لَوْ أَنَّ أي يا ليت لِي كَرَّةً أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن منه فَأَكُونَ أي فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون مِنَ الْمُحْسِنِينَ * أي العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن ، هذا الإعراب - وهو عطفه على الجواب - أوفق لبقية الآيات التي من سلكه . ولما حذر سبحانه بما يكون للمأخوذ من سيىء الأحوال وفظيع الأهوال ، وكان